محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

196

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

الإلهية فيرحم المذنبين ويحلم على الظالمين ويصفح عن الجاهلين ، ويحسن إلى المسيئين ، ويرأف بعباد اللّه أجمعين ؛ فإنه يكون ذلك الاطلاع فتنة عليه ؛ لأن ذلك يؤديه إلى رؤية نفسه واستعظام أمرها ، والعجب بعمله والتكبّر على غيره ، وهذا هو أعظم الفتنة ، ويكون ذلك سببا إلى جرّ الوبال إليه : من ادّعائه لصفات ربّه ، ومنازعته لكبريائه وعظمته ، وهذا هو أعظم الوبال ، وغاية الخزي « 1 » والنكال « 2 » . وفي بعض الأخبار المروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما نزعت الرحمة إلّا من قلب شقي » « 3 » . وفي حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص « 4 » ، رضي اللّه عنهما ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » « 5 » . وفي الإشارات عن اللّه تعالى أنه قال : « عبدي ، إن استخلفتك شققت لك من الرحمة شقّا فكنت أرحم بالمرء من نفسه » . وقد أدّب اللّه تعالى خليله « 6 » إبراهيم عليه السلام في بعض مواطنه العظيمة المقدار ، وعلّمه كيف يتخلق بهذا الخلق الكريم عند اطلاعه على الأسرار . روى عن قسامة بن زهير « 7 » رضي اللّه عنه أنه قال : « بلغني أن إبراهيم عليه السلام حدّث نفسه أنه أرحم الخلق . قال : فرفعه اللّه تعالى حتى أشرف على أهل الأرض فأبصر أعمالهم وما يفعلون ، فقال : يا ربّ دمّرهم . فقال اللّه تعالى : أنا أرحم بعبادي منك

--> ( 1 ) الخزي : الذل والهوان والفصيحة . ( 2 ) النكال : العقاب أو النازلة . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( أدب ، 58 ) ، والترمذي ( برّ ، 16 ) وأحمد بن حنبل ( 2 ، 301 ، 442 ، 461 ) . ( 4 ) عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، من قريش ( 7 ق ه - 65 ه - 616 - 684 م ) صحابي ، من النساك من أهل مكة . كان يكتب في الجاهلية ويحسن السريانية ، وأسلم قبل أبيه ، فاستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أن يكتب ما يسمع منه فأذن له . وكان كثير العبادة ، وكان يشهد الحروب والغزوات ، ويضرب بسيفين ، وحمل راية أبيه يوم اليرموك ، وشهد صفين مع معاوية ، وولاه معاوية الكوفة مدة قصيرة ، وعمي في آخر حياته . له ( 700 حديث ) . ( الأعلام 4 / 111 ، وحلية الأولياء 1 / 283 ، وتهذيب الكمال 10 / 372 ) . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( أدب ، 58 ) ، والترمذي ( برّ ، 16 ) . ( 6 ) الخليل : لقب إبراهيم ( ع ) ، واسم مدينته . ( 7 ) قسامة بن زهير المازني التميمي البصري ، تابعي ، ثقة . روى عن أبي موسى الأشعري وعن أبي هريرة ، وروى عنه عمران بن حدير وعون الأعرابي وغيرهما توفي في ولاية الحجاج على العراق ، وقيل : توفي بعد الثمانين . ( تهذيب الكمال 15 / 279 ) .